الثلاثاء، 28 أكتوبر 2014

فلسفة موسم عاشوراء



لماذا الموسم :



الموسم العاشوري في شهر المحرم موسم يدخل على القلوب الأحزان ويثير فيها الأشجان وهو موسم كرسته سيرة أهل البيت عليهم السلام منذ أن قتل الحسين في الطف الكئيب وقد اتخذته الأئمة موسماً لدكار الأحزان إماماً بعد أمام و كابراً عن كابر..فهو يأتينا في كل عام مرة و يدور معنا بدوران السنين و الحقيقة إنّ الموسمية عادة بشرية يتخذونها في الأفراح و الأتراح ، بل الكثير من المناسبات البشرية أعطيت طابعا موسميا فجاء الإسلام بسُنة الموسمية ليقدم (عن طريقها) طرحا إيمانيا ..
ولابد لهذه الكلمة من توضيح :
عندما كان من عادة البشرية ـ البعيدة عن الجو الإيماني ـ اللهو حتى أصبح خطرا عظيما يهدد رقيها وتكاملها لم يتنازل الدين عن هذا العنوان عنوان اللهو و أراد أن يطرح الإيمان من خلاله لا من مسرح عام ، وكما نعرف فان الأعلام لا ينجح في الزاوية المغمورة بل من الأفضل أن يكون في الساحات العامة فجاء الإسلام و طرح إعلاما في ساحة اللهو وقال كمثال : { لهو المؤمن في ثلاث } .و معنى آخر لهذا التحرك وهو أن يمنح للمسلم مهدئاً لنفسه التي قد تنزع إلى ما تشاهد فيهدئها بهذه المسميات..
ولكن المعنى الأساس هو أن من يتخذ منهجا خاصا وثقافة خاصة لا يلتفت إلا إلى ما يحاكي منهجه فالإسلام بهذه المضامين يخاطب المتولعين باللهو و المتمرسين بذلك   وهو نوع اختراق وغزو ديني في واقع القضية و هناك أمثلة كثيرة مما يشابه هذا المثال من قبيل الاصطلاح ـ في بعض الروايات ـ عن المتعة بأنها بدل الخمر و الشراب فهذا كما يكون تعويضا و تهدئةً لنفس المؤمن مما حرم و منع كذلك أسلوب جذاب في الدعوة أو إذا سمح التعبير فهو أسلوب دعوي مغناطيسي يصلح لأصحاب الشره..و أتباع الميول النفسية ..
و الخلاصة المستخلصة هنا :
أن بعض العناوين و الممارسات تحولت إلى إعلام و واجهة إعلامية لخط معين و إن كان منحرفا .. فمثلا الممارسات الجنسية المنظمة هي في حد وجودها (إعلام) ؟!و اللهو المنظم و المتناقل أيضاً هو (إعلام).القوة العسكرية و المزايدات في إنتاج و اقتناء السلاح (إعلام) اتخاذ مواسم لأعياد ماجنة مثل ما يسمى بعيد الحب العالمي .. أو دوريات رياضية عامة هذا (إعلام) أيضا . و إن السماء ومن بعدها العقول المفكرة والمدبرة للإسلام لم تقبل أن يبقى الإسلام فارغا من الجهة الإعلامية،بل حولت الطقوس الدينية إلى جانب إعلامي واسع ففي بعضها جاءت الطريقة الإعلامية مبتكرة لم تعهدها الديانات والسياسات رغم عدم تنازلها عما هو إعلامي يسرع إلى العقول باسمها ومضامينها بينما جاءت في بعضها الآخر على غرار ما هو المعروف على وجه الأرض و الواقع ولكلٍ مضامينه الخاصة من قبيل ما ذكرنا لك قبل قليل من المضامين التي تنتهي بنتيجة الغزو و الاختراق الديني ...
وبعبارة تختلف فكما أن للجهل و الجاهلية الرعناء إعلام في ممارساتها المنظمة وغير المنظمة وفي مواسمها ذات اللهو و المجون و اللا مسؤولية حدا لا يصبح الذكر إلا للجاهل و الجهلاء فكذلك الدين يتدارك نفسه و أهله حينما يخطط لنا المواسم بل بها يحقق المعارضة النوعية لما على الأرض مما يستنكره بروح تعاليمه... ويكفيه كخطوة أولى أن تذكر مواسمه و تنظيماته واحتفالاته و أعياده وجماهيره إلى جانب مواسم وتنظيمات و طقوس الآخر !!
الموسم (الإعلام) ثقل :
و نقطة أخرى و لا تكون أخيرة بالطبع ، وهي أن المواسم و التنظيمات مادام أنها أخذت الطابع الإعلامي فهي تحقق ثقلا للمنهج الذي تتبعه فكلما انصرفت تلك المواسم وعادت بحضور مهيب دلت على روح نابضة و أعضاء متماسكة ..ومن ابرز أمثلة المواسم الدينية عندنا التي تتوقف على الحضور الحاشد هي الحج إلى بيت الله تعالى فهو يعرب في كل عام عن وحدة وتماسك المسلمين بل هو الوجهة الإعلامية للوحدة و الروح الواحدة . و لذا نحن نُحارَب وتحاك خلفنا المؤامرات لأن هذا النوع من الإعلام يشكل لنا عيارا خاصا وثقلا مشهودا و لو كان الناس يحجون متفرقين لما شعر شاعر بثقلنا .
أتصور بهذا العرض أن فكرة موسم عاشوراء قد قربت من الأذهان فأنت أيها الشيعي بالاحتفاء بهذه المواسم المباركة تكون قد حققت للمبدأ الذي تتبناه ثقلا ووجهت إعلاما خاصا للقضية التي تحملها و لا تنسى انه القوة بكل معناها و الدليل على هذا التفسير أن قضية الحسين و مواسم الحسين عليه السلام حوربت قديما و حديثا ، و الحس الفطري يقول لا يحارب الضعيف و لكن للقوي أو عليه ؟!
وحصيلة هذا العرض أن فكرة تنظيم الممارسة أو إعدادها إعدادا موسميا له معطياته في مجالي:
1-       الإعلام .
2-       الغزو و الاختراق بشكل آلي و مغناطيسي ..
3-       المعارضة و المحاكات للأسلوب الفاسد بالأسلوب الصحيح .
4-       التهدئة النفسية لئلا تنصرف النفوس إلى ما يتمتع به الإنسان غير المتقيد .
فلسفتها في الدائرة الحسينية :
و إن ذات الموسم الحسيني له مؤثراته و نتائجه الخاصة التي يمكن أن تزاد على كافة المعطيات المتقدمة ـ ونحن نتكلم بعامةٍ على المواسم الدينية ـ بل هي تعد ثانوية بالقياس إلى ما حققه الموسم الحسيني على صعيد القضية الشخصي ، ونحن (بإذن الله تعالى) نقوم بدرجها هنا على شكل نقاط :
أ) حفظ القضية عن النسيان :إن عامل النسيان يشكل تهديدا لكثير من الوقائع و المجريات بل كلها (إلا ما رحم ربي بأقلام المؤرخين) .. كما أن النسيان هو موت الأفكار الذي تفر منه،وموت لكثير من القصص التي تمثل منهاجا صادقا يدعو للتمسك بها..ولذا فان القرآن ـ ككتاب خالد ـ خلد ذكر بعض الأنبياء بل العديد منهم و قال للنبي صلى الله عليه و آله و سلم : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } (3) سورة يوسف .
لأن فيها ما يمثل منهاجاً في الصبر و التحمل ..
ومنها ما يمثل  المقاومة و الصلابة في جنب الله تعالى بل وتوحيده كقصة إبراهيم الخليل عليه السلام .
و منها ما يمثل العزة و الكرامة كقصة موسى و قومه ...
و بما أنَّ الحسين عليه السلام إمام،مختار،ووريث،حاوي لجميع الرسل و الأنبياء : (( السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله ، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله ، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله ، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله ، السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله ... ))[2].
فرسمت ثورته و ترك قيامه للبشرية الكثير من مناهج و أسس الإصلاح و التضحية ، و الصبر على الأذى في جنب الله سبحانه،و العزة البالغة،و الوفاء الصادق مضافاً على القيمة الشخصية لأعلام ثورته كل شهيد شهيد و كل فردٍ فردٍ و هل التاريخ إلا رجال المواقف و مواقف الرجال ؟
وهنا نعود بالقول:
لو أهملت تلك النهضة و لم تعظم لذهبت أدراج النسيان و طي الرياح و هي الثورة التي لا يصح أن تحفظ بالكتابة التاريخية فحسب لأن الكتابة درجة ضعيفة من الاحتفاظ .. و لكن لابد من أن تبقى محتلة و مستولية على كل رأس و فؤاد يريد الحياة للعمل و العمل للحياة . و من هنا حثت الأئمة على الاحتفال بموسمه الخالد المخلد :
كذب الموت فالحسين مخلد             كلما أخلق الزمان تجدد
و هنا يروى أن الشيخ الأميني صاحب موسوعة الغدير الشريفة كان واقفاً ينظر إلى موكب عزائي و إلى صفه أحد العلماء من إخواننا السنة فقال للأميني لماذا تفعلون هكذا فهل الحسين يطلب منكم ذلك ؟ فقال : نحن نمارس هذه الطقوس بشكل راتب حتى لا تنسون يوم أبي عبد الله عليه السلام كما نسيتم يوم الغدير ؟!!
ب) العاشريون قرآنيون :
إن تجديد الذكرى أو تخليدها الذي يتم بأساليب منها الجزع و الادثار بدثار الحزن له محتويات لا توجد إلا في صفحات القرآن الكريم فانه على شباهة بالواقع العاشوري الذي يتخذ القران الكريم مرجعاً له فيما يهدف إليه . فالقرآن الشريف احتوى على قضايا وهو الكتاب الذي يقرأ و يتلى في آناء الليل و النهار فتكراره يعني تكرار تلك المحتويات و استعادته يعني استعادة تلك الأهداف و الطقس العاشوري أيضاً يتكرر و يكرر معه محتوياته جملةً و تفصيلاً .. و لنلاحظ ماذا يتكرر بالمداومة على القرآن العزيز و ملاحظة الشباهة ـ من ثمة ـ على القضية العاشورية التي قوامها ممارسة المؤمنين ...
* ذكر الصالحين و مواقفهم :
و الهدف هنا هو الاستفادة الأخلاقية و المعنوية و الشرعية بتذكرهم و تأمل مواقفهم النبيلة و لذا مع تكرار القراءة للقرآن الكريم تتكرر مع الإنسان قصة يوسف عليه السلام و عظمة صبره على الطاعة و قوته القاهرة للنفس الأمارة .
و أيضاً المرأة المسلمة حينما تعاود قراءة القران الكريم و تجدد العهد به تلو العهد : لا شك يلفت منها الالتفات إلى مواضع خاصة و منها ابنتي شعيب عليه السلام و كيف أن القران يصف إحداهن بأهم أوصاف الأنوثة و أجملها و هو الحياء فيقول تعالى : { فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء }[3].و هذا الهدف مرجو أيضاً لمن يتابع القضية الحسينية فأنت تجد أمثلة للرجال ـ من أنصار الحسين ـ الذين ابتعدوا عن الدنيا و غرورها وطلقوا الحلائل أو خيروهن أمثال حبيب و زهير و غيرهما .. كما تجد المرأة المسلمة الباحثة عن الأخلاق الفاضلة أمثلة عظيمة للمرأة المحافظة على حيائها و سترها و التي لم تكن لتبدي جسمها أو صوتها إلا في حين الضرورة القاهرة،والدور الذي تتطلبه رسالتها الإسلامية. بلى ستقرأ كل هذا في مواقف بنات رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في كربلاء،والكوفة،والشام،والمدينة بعد عودتهن. 
* التنكيل بالتشهير :
إن أسلوب التشهير بالمعادي أو المعتدي أسلوب متخذ في الفقه الإسلامي فنلاحظ أنّ حدث السن غير المحصن إذا تورط في الزنا نستجير بالله يجلد ، و يحز شعره و يغرب عن مصره و يخطر ببالي أن السر في هذه المعاملة هو التشهير و التشهير  عملية بقدر ما هي عنيفة بقدر ما هي رادعة عن التورط في مثل ذلك بالنسبة له وبالنسبة لمن يشاهده ويسمع بخبره..
فإذاً هذا أسلوب وهدف عملي و قد جاء هذا الأسلوب بنفس الهدف في القران الكريم . فذكر أمثال نمرود ، فرعون ، و غيرهما من الطواغيت على مستوى الأفراد و الأقوام في هذا الكتاب الخالد و الحي بمداومة الخلائق على قراءته إنما لأجل التشهير بهم و بأفعالهم البالغة حد الشناعة و البشاعة . و إنَّ هذا المبدأ ذاته يقف مبرراً وراء المداومة على ذكر القضية الحسينية و الموسم العاشوري فيشهر فيه بالطغمة الأموية الفاسدة و المنهجية اليزيدية المارقة و يشنع عليهم و يكشف عن قبح ما فعلوا و ما صنعوا مع الأبرياء ، و النبلاء و أهل الكرامة من آل الرسول صلى الله عليهم أجمعين و صحابتهم البررة .. فكما أن من استوفاهم القرآن و جاء بذكرهم لأجل انهم محاربون لله و رسوله و أوليائه فهكذا يزيد و اليزيديون محاربون لله لحربهم وليه المطيع لله و لرسوله صلى الله عليه و آله .
  * الجزاء الحسن :
و إنّ من العرفان بقيمة الإنسان و احترام معنوياته هو مجازاته بالذكر الحسن و العطر على الشفاه و انه فن من الشكر الجميل لأصحاب المواقف الإنسانية الصادقة .. و القران الكريم قد عظم شخصيات و ذكرهم من باب الجزاء الحسن لهم لما تحلت به شخصياتهم من التجرد،و المظاهر الإلهية رجالاً كلقمان الحكيم و نساءً كمريم بنت عمران . طبيعي أن يجازي المحبون قائدهم و يعظمونه بالذكر سيما و أن النبي صلى الله عليه و آله و كافة الأئمة الطاهرين من بعده قد جازوه بذلك وسنتطرق إلى الروايات و الحكايات المدللة على اهتمامهم بهذا المواسم إن شاء الله تعالى .
* عاشوراء غذاء روحي :
إن الإنسان خلقت استقامته في مكامن بعيدة عن خلقته وذاته فلا يستطيع أن يوفر استقامة جسده أو روحه من تلقاء ذاته .. فجسده هذا لابد له من ممدات يستمد منها استقامته و اعتداله إذا تغذى عليها بالشكل المطلوب طعاماً .. رفاهيةً .. جنساً ..و الشيء الذي سيحصل لو انقطع الغذاء هو ردت فعل صحية و مزاجية بلا أي ريب في ذلك . و كذا عقله فسوف يغرق في الجهل و الظلام كردة فعل مؤكدة لو لم يحضر له الغذاء الكافي من العلم و التفقه الذي قد سمي في الروايات بالخير ففي الحديث الشريف (( إن الله إذا أراد بعبد خيراً يفقهه في الدين )) . فالخير الذي ينعم معه العقل أو (جهاز النظر) هو التنور و العلم و الفقه .. و أما مكامن استقامة الروح فهي عناوين جليلة و كثيرة من قبيل العاطفة،و الحلم،و الإحسان،و...و...جميع الملكات النفسية ، و مكامن هذه الملكات النفسية عبارة عن  :
1-      التربية الصالحة و الحميدة  .
2-      الدراسة الأخلاقية و التلقي للمناهج القرآنية و الإسلامية الفاضلة .
3-      الرياضة العملية ...
و العنصران الأولان لهما مجالهما في الحديث..و أما الرياضة العملية فان من أمثلتها الجليلة العاطفة فان استقامتها و توازنها لدى الإنسان لا تتأتى إلا بالممارسة الشديدة و المكثفة و السر في تكثيف هذه الرياضة أننا لا نكاد نجد إنساناً لا يمارس القسوة بل لولا القسوة لما وجد مظهراً للظلم في حياة البشرية على امتداد تاريخها .. و لذا فالإسلام كثف ونوع في مناهجه التي ترزق القلوب العاطفة و ترهف في النفوس هذا الحس الغريزي ، و لكي لا نغرق في هذه الجهة أو نبتعد عن ارتباط العاطفة بعاشور الحسين عليه السلام نلمح إلى أمثلة المكامن و التدريبات الشرعية لتقوية هذا الحس الفعال دون الولوج في تفاصيلها :
1- الإنجاب (الأبوة،و الأمومة) لان ذلك يوجب تدفق عاطفي يومي من الإنسان فيفعل هذا الحس في جوانبه ولذا ـ كأحد الأسباب التي نعلمها أو لا نعلمها ـ حبذا الإسلام اجتناب الزواج من العاقر ... بل أُجيز العزل و منع الحمل ممن لا تقبل التصدي لإرضاع ابنها و تكفل رعايته و تنشأته : لان الاستعداد العاطفي مطفأ هنا . و لذا في وسعنا القول إن أحد ابرز سلبيات ترك النسل و التساهل فيه هو انعدام أو انخفاض الحس العاطفي الذي هو من أساسيات أنظمة الحياة العامة و الخاصة . 2- تصدر التربية و مباشرة الأبناء لأنك إذا وقفت على الكثير من مشاكلهم و متطلباتهم جاءت منك الاستجابة الكثيرة أيضاً و بهذا الشكل سنشحذ في داخلك العاطفة بخلاف أن تترك أمر التربية و نوكلها للنيابة العامة (الخدامات) كما يصنع الكثير من الناس هذه الأوقات ..
3- العبادة بما فيها من خشوع و خضوع وهما معنيان للرقة التي هي الارتباط العاطفي فهما يعملان على إرهاف هذا الحس لدى الإنسان و إن في الحديث الشريف (( ما من قطرة احب إلى الله عز وجل من قطرتين : قطرة دم في سبيل الله و قطرة دمعة في سواد الليل لا يريد بها إلا الله عز وجل ))[4]. و إن تخصيص سواد الليل من بين سائر الأوقات لمغزى مهم و هو : أن هذا الوقت خال من أشغال الدنيا فلا ينصرف فكر الإنسان هنا و هناك و أن هذا الوقت بحكم ابتعاد الإنسان عن الأعين و الناظرين فان داعي المراءات و الرياء غير موجود .. و أيضاً فان من يتعود على تحمل مشقة ترك النوم و النهوض إلى مقام الطاعة تصبح عنده قدرة الانصراف عن المعاصي كبيرة فكلما تعرضت طريقه استطاع أن ينصرف عنها جانبا..
4- الاستماع للخطب و المواعظ فإنها من العوامل المحفزة للعاطفة لدى الإنسان و يُروى أن صحابةً جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم و قالوا :"" اننا نستمع إلى خطبك و مواعظك و جلنا و نسينا الدنيا و زهدنا حتى كأنا نعاين الآخرة و الجنة و النار و نحن عندك ، فإذا خرجنا من عندك و دخلنا هذه البيوت و شممنا الأولاد و رأينا العيال و الأهل نكاد أن نّحوَل عن الحالة التي كنا عليها عندك حتى كأنا لم نكن على شيء افتخاف علينا النفاق ؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه و آله كلا !إن هذه خطوات الشيطان فيرغبكم في الدنيا و الله لو تدومون على الحالة التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة و مشيتم على الماء .. و لو لا انكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقا حتى يذنبوا ثم يستغفرون الله فيغفر لهم إن المؤمن مفتتن تواب""[5] ..
و نفس هذه الحالة تتكرر في وقت الإمام الباقر الصادق عليه السلام فنرى أن حمران بن أعين يقول له : (( أخبرك أطال الله بقاك ..... انا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترق قلوبنا و تسلوا أنفسنا عن الدنيا ويهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال ، ثم نخرج من عندك فإذا صرنا مع الناس و التجار أحببنا الدنيا،قال فقال أبو جعفر عليه السلام  إنما هي القلوب مرة تصعب ومرة تسهل ))[6]. و هكذا يضاعف الدين الكشف عن طرق تهذيب العاطفة و توجيهها إلى أن تتحول كملكة متمكنة من النفس .. و من بين الأمثلة و الطرق التي يتغذ عليها الحس العاطفي.
5- المجالس الحسينية فكل ما ذكرنا كان يؤثر بالرقة ففي رقم (1) عاطفة الانتماء و اللحمة و في رقم (2) عاطفة تربوية و تعليمية فان المتبني و المعلم أيضاً تربطه بالتلميذ أو الغلام أو الأخ ... و كل منتمي عاطفة خاصة .. و في رقم (3) رقة و عاطفة استشعار النعم والعرفان للجميل ورقة العبودية .. و في رقم (4) تجد رقة الذكرى النافعة و التذكير المفيد و لذا قال تعالى { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ }[7].
و أما المجالس الحسينية فهي رقة و عاطفة جامعة وذات رقم صعب ومستقل هذه المرة إذ تجمع كل أصناف العاطفة و تزيد عليها فلاحظ : أن من يتفاعل مع قضية عاشوراء فهو يبرز انتمائه إليها و إلى بطلها الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام و كذلك هو يتبناها بشكل معنوي كسيرة استطاعت أن تثير النفوس ، و العقول و تسيطر على التاريخ و كتّابه فلا يستطيعون الازورار عنها قيد شعرة .. فأصبح الحسين معلم الأجيال و معلمهم و مؤدبهم بعد رسول الله و أبيه بالخصوص .. و إن ما اصطلحنا عليه برقة وعاطفة التبني لسنا نعني بها جانب الأستاذ فقط بل حتى المتعلم و هنا المعلم الحسين و نحن المتعلمون .. و أيضاً توجد العاطفة في مرحلتها الثالثة حيث إن الحسين انعم على الناس (من حيث اصطفاه الله لذلك) بنعمة الهداية و لذا ينظر إليه نظرة شكر و عرفان ، كما إننا نجد أيضاً العاطفة بيننا و بينه في مرحلتها الرابعة لان هذه الواقعة مليئة بالعبر و الذكرى و إن من أجزل الأبيات و أكثرها تعبيرا عن مجموعة العبر التي انطوت عليها شخصية الحسين في موقفه يوم العاشر هي أبيات هادي القصاب الشعبية:
لمسنا بشخصيتك أوصاف
فلا انوجدت ابشخصية

لمسنا بيك أبو الأحرار

عرفنا الموت حرية

لمسنا بذلت دم وحيه

عرفنا الدنيا وقتيه

لمسنا على الكرامة اقضيت

عرفنا نريدها هيه

لمسنا بيك أبي و متلين

عرفنا احنا فدائية
[8]
و إن العاطفة التي يتحصل عليها المؤمن المتقيد بولاية أهل البيت عبر الالتزام بمجالس الحسين عليه السلام (و هي غير موجودة ضمن ما ذكرنا في المجالات العامة للعاطفة يعني تزيد عليها) هي عاطفة التألم و الاستيحاش من الظلم و أساليب القهر و القمع المريع .. فلا أظن أن اسم (إنسان) يستحقه من لا يتألم و لا يفزع مما يقوم به الظلمة الجائرين،بل هذا قد أنسلخ عن إنسانيته وإن الذكرى العاشورية أعادت للأجيال المسلمة الشيعية إنسانيتها إزاء كل ما هو ظلم وحرمان. 

* عاشوراء في الميزان الحضاري :
إن كل قضية و مشكلة إذا أراد لها المسؤولون و القياديون تفاعلاً جماعياً يعقدون لها ـ بعنوانها الخاص ـ مؤتمرات إقليمية أو دولية قد يضيق نطاقها و قد يتسع .. فمرة تبذل تكاليف باهضة لمناقشة فكرة المرأة بمفردها و يقدم فيها عدد محدود من ذوي الأقلام و الكلام،مثل ما جرى في مؤتمر الصين .. و قرطبة وغيرهما .. و مرة تبذل تكاليف مبهرة لمن يسمع بها لإجراء مؤتمر دولي حول مسألة حقوق الإنسان.. و هكذا ...و لكن تلاحظ ان هذه المآتم تعقد طوال العام وبتجمهر كبير تشارك فيه جميع الطبقات .. يعني العدد غير محدود كما في تلك المؤتمرات ـ السمة الحضارية المحدثة ـ و يتحدث فيه علماء و خطباء لهم أتعابهم و ثقافتهم وفقههم و يتحدثون عن كل موضع إنساني حتى تلك العناوين التي تعقد المؤتمرات لأجلها.. فمن نقطة السيدة زينب ينطلق الكلام عن المرأة.. و من نقطة استبداد آل أمية ينطلق الحديث عن حقوق الإنسان.. و من نقطة إمامة الحسين ينطلق البحث حول السيادة و القيادة الراشدة و أهميتها في المجتمع ككل !! و هكذا إلى العديد من المنطلقات كالإصلاح..الأمر بالمعروف..محاربة الإذلال.
الشيخ عبدالجليل البن سعد

الاثنين، 20 أكتوبر 2014

كيف نستعد لشهر الحزن محرم الحرام


بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على حبيب قلوبنا أبي القاسم محمد و على آله الطيبين الطاهرين 
عظم الله لكم و لنا الأجر بحلول شهر العزاء ومصاب الإمام الحسين 

قال سيد الشهداء الإمام أبوعبدالله الحسين أرواح العالمين له الفداء:((  أنا قتيل العبرة ، قتلت مكروبا ، وحقيق علي أن لا يأتيني مكروب قط إلا رده الله وأقلبه إلى أهله مسرورا .))



هذه خطوات عملية أو نقاط جميلة جداً كتبها عدة أشخاص بارك الله فيهم و أعجبتتني فقمت بانتقاء الأفضل منها ، تلخيصها ووضعها بين يديكم ، مع التصريف القليل: -
-إشعار القلب و الروح بعظمة الحدث و قسوة الفاجعة ، و إطلاق العنان للتفكير في بشاعة الجريمة التي ارتكبها أعداء أهل البيت لعنهم الله.
- استحضار سبب ثورة الإمام الحسين وهو لإقامة أركان الدين ونصرة المنهج الإسلامي 
الحق والتمسك برسالة النبي محمد صلى الله علية وآله وسلم.

- نعاهد الحسين -سلام الله عليه- بالإقلاع عن المعاصي.. فهذه من 
العوائق التي سوف تمنعك من جريان العبرة على الحسين سلام الله عليه.. 

- يحاول المؤمن أن يقرأ ختمة من القرآن الكريم في شهر محرم وصفر، ويهديها إلى 
الإمام الحسين .

- المواظبة على قراءة زيارة عاشوراء كل يوم من شهري محرم وصفر.
- المواظبة على الذهاب إلى المجالس الحسينية قدر المستطاع، وإن لم يقدر، فيستمع إلى 
. أشراطة المحاضرات

- وضع برنامج أخلاقي وعبادي، مغاير لما أنت عليه. 
- من لا يعرف الحسين -- ولو معرفة جزئية، لا يتمكن من 
البكاء عليه.. لذلك ينبغي في هذه الأيام أن نقرأ في سيرة الحسين العطرة، ونرتبط معه 
روحيا.

- قلة الطعام والضحك، والتزام الآداب العامة للأيام العشرة له دور فعال.
- صلاة الليل!.. صلاة الليل!.. صلاة الليل!
- أن لا ننسى و يجب استحضاره دائماً و هو أن الإمام الحسين – سلام الله عليه – قد ضحى من أجلنا ، فلا تقصروا في مواساة أمه الزهراء –  – في ابنها بحضور المجالس الحسينية الولائية و الخدمة فيها.
- مدرسة كربلاء ما هي إلا مغتسل، أنوي لدخول إلى هذا المغتسل، وأنقي أرضيتي، وروحي في المغتسل.
- ترتيب وقتنا بشكل جيد .. بحيث: وقت للنعي ، ووقت للطم ، ووقت لاستماع الدروس.
- شهر محرم من المحطات التي يمكننا أن نرفع فيها رصيد حسناتنا ، وأيضاً نرفع فيه من مستوى ثقافتنا و إيماننا الحقيقي الذي نفتقده بشكل كبير في زماننا اليوم..
- شهر محرم محطة أخرى من محطات مريدي السير والسلوك إلى حبيب قلوب الصادقين.
- تذكر..! عظمة المبدأ الذي قدم الإمام الحسين من أجله حياته
- تذكر..! عظمة ما قدمه الإمام الحسين قربانا بين يدي خالقه!..
- تذكر..! بأن قربان رب عظيم لا يجب إلا أن يكون عظيماً.
- التوجه نحو المجلس الحسيني بقلب صافٍ.

حسين مني وأنا من حسين

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين
ورد عن النبي محمد  أنّه قال: ”حسينٌ منِّي وأنا من حسين، أحبَّ الله من أحبَّ حسيناً، وأبغض الله من أبغض حسيناً، حسين سبطٌ من الأسباط“ [1] .



والملاحظ في هذا الحديث النبويّ الشريف مطلبان:

المطلب الأول:

أنَّه  أبان أولاً حيثية ”الانصهار“ بينه وبين الحسين ، حيث قال حسين مني وأنا من حسين، وقد ذكر العلماء عشر معانٍ لهذه العبارة، ولسنا بصدد تفصيلها، وإنَّما الذي نريد أن نقوله أنَّ ظاهر هذه العبارة أنَّ هناك فناءً وانصهاراً بين النَّبيِّ وبين الحسين، فالحسين هو النَّبيُّ بصورة أخرى، والنَّبيُّ جامع لهؤلاء الأنوار المعصومية في شخصيته ، فكلٌّ من الطرفين مظهرٌ للآخر، ومقتضى هذه المظهرية عدم إمكان التفكيك بين أحدهما والآخر، وإنَّما أبان النَّبيّ  الانصهار والاتِّحاد بينه وبين الحسين ، للإشارة إلى أنَّ النَّبع واحدٌ، فإذا كان النَّبع والمصدر النُّوريُّ لهما واحداً؛ فمقتضى وحدة المصدر ووحدة النبع أن يكونا شيئاً واحداً، وأنَّ كلاًّ منهما مظهرٌ للآخر.

المطلب الثاني:

وهو المهم؛ حيث أنَّه  فرَّع على المطلب الأول فرعاً مقدساً، فبيَّنَ أنَّه: لأنّ حسيناً مني، وأنا من حسين، لذلك أحبَّ الله من أحبَّ حسيناً، وأبغض الله من أبغض حسيناً، أي لأنَّ هناك انصهارُ فناءٍ بين الرَّسول وبين الحسين ؛ فلا محالة مقتضى هذا الانصهار أنَّ حبَّ الحسين حبٌّ للرسول ، وأنَّ حبَّ الرَّسول حبٌّ للمنبع الذي جمع هذين النورين، وهو الحقُّ - تبارك وتعالى -، فقال: حسينٌ منِّي وأنا من حسين، ولذلك أحبَّ الله من أحبَّ حسيناً، وأبغض الله من أبغض حسينا. ً
وبما أنَّ الحبَّ هو درجةٌ من درجات الفناء والانصهار أيضاً؛ فكان للانصهار درجاتٌ:
- فهناك درجةٌ من الانصهار، وهي ”الانصهار الواقعيّ“ بين الحسين  والرسول .
- وتتلوه درجةٌ أخرى من الانصهار؛ وهي «الانصهار النفسيّ» بين المؤمنين وبين الحسين ، فإنَّ من أحبَّ الحسين فقد انصهر بالحسين بدرجةٍ من درجات الانصهار، ألا وهو الانصهار النفسيُّ الشعوريُّ القلبيُّ، فإذا حصل هذا الانصهار، وهذا الفناء بين المُحِبِّ وبين المحبوب، ألا وهو الحسين ، فمن انصهر بالحسين فقد انصهر بمن انصهر معه الحسين، وهو النَّبيُّ المصطفى ، فكأنّ النَّبيَّ يقول: الحسين قد فني في نوري وشخصيتي، ومن أحبَّ الحسين فقد فُني في الحسين، وبالتالي فهو ضمن هذا الانصهار والفناء، وهو الفناء في النَّبيِّ المصطفى ، الذي هو فناء في الحقِّ - تبارك وتعالى -.
وحيثُ أنَّ من مظاهر حبِّ الحسين الحزنُ لحزن الحسين، والفرح لفرح الحسين، إذ الحبُّ - كما ذكرنا - درجةٌ من درجات الانصهار، ولا يتصور مثالٌ عرفيٌّ لهذا الانصهار، إلاَّ بأن يحزن المؤمن لحزن الحسين، ويفرح لفرحه، وبما أنَّ أيَّام عاشوراء أيّامُ الحسين ، فهي أيّام إبراز الانصهار والذوبان في الحسين ، وأيّام إظهار حبّ الحسين ، ولذلك فإنَّ كلَّ مؤمنٍ - بحسب طاقته، وقدرته، وظيفته - عليه إبراز حبّ الحسين في هذه الأيّام الشريفة، فمنهم من يُبرز حبَّه في خدمة المواكب الحسينية، ومنهم من يبرزه بالرُّقيِّ على منبر الحسين، ومنهم ببيان تعاليم ومبادئ الحسين، ومنهم بالتفاعل مع فاجعة الحسين، وكلٌّ بحسب موقعه وقدرته، إذا أراد أن ينصهر بالنَّبيِّ  ففرصته أيّام الحسين، فإنها طريق للانصهار بالحسين، الذي هو طريقٌ للانصهار بالنَّبيِّ، وأن يكون مصداقاً لهذه البعضيّة ”حسينٌ منِّي“، فمن كان من الحسين فهو منِّي أيضاً، ومن انصهر بالحسين فهو منصهرٌ بي.
فإنَّ الحسين - حسين الكرامة والإباء - عنفوانٌ يتجلّى في فم الشاعر، وحروف الناثر، وريشة الفنّان، وفكر المثقف، وعطاء المنبر، ودمعة المفجوع، وصرخة الثائر، ونشيد الموكب، وعطاء المضيف، والعَلَم المرفرف، والرَّاية الخفّاقة، ونشيج الطفل، وآهة الشيخ، وكلُّ هذه الألوان تجري كالنَّهر، لتذوب في حبِّ الحسين وتنصهر به، ولتتحول قطرةً من دم الحسين، ونفحةً من قُدْس الحسين، وعزمةً من حماس الحسين ، لتلتقي عند القمَّة بروح المصطفى .
وكلُّ هذه الصور الَّتي تنبض بالحياة الثائرة؛ مثالٌ لما ورد عن رسول الله : ”إنَّ لقتل الحسين حرارةٌ في قلوب المؤمنين لاتبرد أبداً“ [2] ، وكلُّ هذه الأنفاس المتوهجة امتدادٌ لأنفاس الحسين ، فهي إلى الحسين، ومن الحسين .
وأيُّ نعمةٍ أعظم من أن يسعى الإنسان أن يكون من الحسين؟! لكي يكون من النَّبيِّ ، فإنَّ هذه نعمةٌ عظيمةٌ وردت فيها الأحاديث الشريفة، كما ورد عن النَّبيِّ : ”الحسين مصباح الهدى، وسفينة النجاة“ [3] .
ومن يبخل على نفسه بأن يستضيء ببعض مصباح الهدى؟! وأن ينال مقعداً أو مكاناً في سفينة النجاة، والتعلُّق بالحسين ؟!
اللهمَّ اجعلني عندك وجهياً بالحسين  في الدنيا والآخرة، اللهم احشرنا مع الحسين، وارزقنا زيارة الحسين، وشفاعة الحسين، اللهمَّ يا ربَّ الحسين بحقِّ الحسين اشفِ صدر الحسين بظهور الحجة - عجل الله تعالى فرجه الشريف، وجعلنا من أنصاره وأعوانه -.
والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسَّلام على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

الأحد، 24 أغسطس 2014

لنجعل مجالسنا أحاديث خير


لنجعل مجالسنا أحاديث خير




تختلف مسميات الأمكنة عند الشعوب كاختلاف عاداتهم وتقاليدهم تبعاً لاختلاف الألسنة والطباع، وحتى في الشعب الواحد تختلف أحياناً باختلاف اللهجات وتقدم الزمن، فترتقي المسميات وتتبدل مع تقدم وتبدل عادات الشعب بحسب العوامل الدخيلة على اللغة أو العامل الجغرافي في حين آخر، فمثلا من أجزاء المنزل سابقاً كانت مسميات مثل الحجرة و(الحوي) و(الدهريز) والآن أصبحت الغرفة والصالة والممر ... إلخ.
 وكما قلنا المسميات في مثل هذا وغيره تختلف أحياناً من منطقة إلى منطقة ومن بلد إلى بلد ومن دولة إلى أخرى بحسب العوامل المذكورة وغيرها.
فمن ذلك ما يسمى عند البعض ديوانية وعند البعض الآخر مجلس وعند آخرين المغلط .. إلخ، وهي عبارة عن غرفة أو ساحة منعزلة أو منفصلة لاستقبال الضيوف والجيران والأصدقاء والأقارب لمناقشة الأحداث وتبادل الأحاديث في وقت الفراغ.
فإذا المجالس هي محط اللقاء والتجمع بين فئات المجتمع وشرائحه المتعددة والمتنوعة وهي عند الكثير بل ربما الكل مطلب لابد منه؛ بل إنه لا يكاد أي مخطط لأي منزل تحت الإنشاء يخلو منه.
وعليه عرف المجلس وأهميته ولكن يبقى ما لا يقل أهمية عن ذلك ألا وهو فيما يجب أن أستغل هذه الديوانية وكيف؟
مما لا شك فيه يجب أن أستغل وقت الفراغ الذي أقضيه في هذه الديوانيات بالنفع العام وخدمة المؤمنين وأن أتحدث فيما يرضي الله تعالى أولاً وما لا يضر الناس ثانياً، فالمشكلة -كل المشكلة- أننا أو الكثير منّا للأسف إذا جلس في هذه الديوانيات أو ما شابهها من مقاه أو خلافه تحدّث فيما يضر نفسه وما يكره غيره كالغيبة والنميمة والألفاظ البذيئة التي تقشعر منها الأبدان وتنفر منها النفوس، وإذا انتقلوا من هذا انتقلوا إلى ما ليس له أهمية تذكر، فاز الفريق الفلاني وانهزم ذاك، ولا يتطرقون إلى ما يفيدهم إلا ما قل وندر؛ فالقليل بل القليلون جداً يتحدثون عن قضايا الساعة وأحداثها أو عما تقدم به العلم من مؤلفات جديدة مثلا أو ابتكارات وتكنولوجيا.
إن كل ما نتفوّه به في هذه المجالس من خير أو شر محسوب علينا، لذا يجب أن نغتنم هذا الوقت فيما يرضي المولى تبارك وتعالى، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن علمه ما صنع به وعن شبابه فيما أبلاه وعن عمره فيما أفناه).

وخلاصة القول نحن من يتحكم فيما يُطرح في هذه المجالس، فهل نجعلها أوكاراً للعبثية ومفسداً للكلام أم نجعلها سراً من أسرار نجاحنا وتقدمنا؛ فتكون لنا نعمة بدلاً من أن تكون علينا نقمة.


بقلم : محمد المبارك

الثلاثاء، 29 يوليو 2014

العيد السعيد والتواصل الاجتماعي



العيد السعيد والتواصل الاجتماعي



قالوا في معنى العيد أنه ما يعود من هَمّ أو مرض أو شوق أو غيره ، وكل
يوم يحتفل فيه بذكرى كريمة أو حبيبة (1).
وقيل العيد من العود والرجوع والتكرار ومنه أخذت عيادة المريض ، وقيل
أيضا في معناه ما يعود على المتعبد من خلاله من الدرجات والحسنات وثواب
آخروي ومعنوي كفرحة الصائم بعد صيامه في شهر رمضان والحاج بعد انتهائه من
حجه.
وقد ورد ذكر العيد في القرآن الكريم والحديث الشريف ، من ذلك قوله تعالى
( قال اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا
وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين)(2). وإن كان باختلاف يسير في
المعنى.
وفي حديث عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه قال في بعض الأعياد (
إنما هو عيد لمن قبل الله صيامه وشكر قيامه وكل يوم لا يعصى الله فيه فهو
عيد)(3).
ويقول أبو الطيب المتنبي في العيد :-
عيد بأية حال عدت يا عيد ..... بما مضى أم بأمر فيك تجديد
أما الأحبة فالبيداء دونهم ..... فليت دونك بيدا دونهم بيد (4).
ومن الأقوال في العيد قول الشاعرة مريم العموري (5):-
فهل يا صاح تذكره أذا ما غاب ذكراه
بلى يا عيد أنت الخير فكيف العيد أنساه
وبعد هذا الاستعراض للمعنى والأقوال دعونا نثير نقطة مهمة في الجانب
الاجتماعي للعيد ألا وهي مسألة التواصل الاجتماعي وكيف هو بالأمس وكيف
أصبح اليوم.
فكما هو معلوم وواضح ومعاش أن وضع الفرحة بالعيد والتواصل من أجلها قد
تغير إلى الأسوأ إذا ما قسنا بينهما ( أي بين الماضي والحاضر) ويرجع ذلك
إلى عدة أسباب أستطيع أن أختزلها في نقطتين ، وهما :-
أ – التمدن :- فأهل المدن ولا شك أقل تواصلا من أهل القرى ربما بسبب طول
المسافات بين المدن والمحافظات وبين الحي والحي الآخر في المدن وأن كان
ذلك سببا غير كافٍ حتى تكون القطيعة أو شيء منها في مثل هذه المناسبات
الاسلامية الهامة في التواصل بين العائلات بل حتى الاصدقاء وأهل التعارف.
ب- التكنلوجيا والتقنية :- على الرغم من كون التكنلوجيا عامل مهم جدا في
تطور وتقدم معارف الانسان وعلومه إلا أنها تعتبر من العوامل التي أدت إلى
ضعف الجانب العملي في العلاقات والتواصل بين الناس حيث أكتفى الكثير منهم
بالبرامج التي استحدثتها هذه التقنيات في التواصل وترك الزيارة العملية
للأسف حتى أن البعض أهمل زيارة أقرب الناس له في الاعياد وغيرها ، فإذا
سألته لماذا ، قال يكفي (( الواتساب )) و(( السكاي بي )).. وغيرها من
البرامج.
وهذا طبعا غير صحيح فلربما احتاجك أقاربك أو احتاجوا لزيارتك ( الوالدين
مثلا) ماديا أو معنويا ولكن الحياء يمنعهم ولن تعرف ذلك ألا من خلال
زيارة مباشرة تطلع فيها على أوضاعهم وأحوالهم ومن المفترض لا نكتفِ
برسائل على مثل هذه البرامج أو غيرها سواء معهم او مع غيرهم من الأهل
والأقارب والأصدقاء ، فالزيارة في العيد تكون أمكن للفرحة والبهجة والصلة
بينك وبين أقاربك .
وأخيرا نسأل المولى الكريم أن تكون أيامنا كلها أعيادا وأن يحفظ أمتنا من
الأخطار والمحن أنه لما يشاء قدير.





(1) – المعجم الوسيط ، ج2 ص 659 – مجمع اللغة العربية بالقاهرة – ط، 1.
(2)-  سورة المائدة ، آية : 114.
(3)- النجفي ، الشيخ هادي – موسوعة أحاديث أهل البيت( عليهم السلام) ، ج
7 ص 359- ط1 ، 1423هـ - دار إحياء التراث ، بيروت \ لبنان.
(4) – ديوان المتنبي ص 393- شرحه وضبطه وقدم له ، علي العسيلي – ط1 ،
1417هـ - مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ، بيروت \ لبنان.
(5)- شاعرة من فلسطين.




                         محمد محمد المبارك

الأربعاء، 16 يوليو 2014

آثار الصوم


التأثيرات النفسية.. للصيام


أبحاث كثيرة تشير إلى تحسن عدد كبير من الأمراض النفسية


 د. عبد الحفيظ يحيى خوجة 


للصيام أثر سيكولوجي على النفس يضفي إحساسا روحانيا على الصائم إضافة إلى التأثيرات الفسيولوجية العضوية له على الجسم البشري. وهناك معتقدات خاطئة عن المرض النفسي والدواء في رمضان تحتاج إلى تصحيح.

وقد أثبت العلم أن الصيام يساعد الجسم على إزالة الرواسب والتخلص من الفضلات المتراكمة من تناول مختلف الأطعمة والأشربة؛ بل وحتى التي تدخل عن طريق الجهاز التنفسي مثل التدخين، فنجد الجسم مرتاحا من عملية الهضم ومتخلصا من الرواسب في أنسجته المختلفة مثل الأغشية المبطنة للجهاز الهضمي والمفاصل وتأثيره الظاهر على الجهاز العصبي، فيلاحظ تحسن التركيز وحدة ووضوح الأفكار.
حول الأثر السيكولوجي للصوم، يقول الدكتور محمد عبد الباسط بخاري استشاري الطب النفسي في مستشفى الملك عبد العزيز بمكة المكرمة، إن للصوم آثارا سيكولوجية كثيرة يمكن أن نجدها في الرضا والطمأنينة بسبب الأثر الروحي للصوم وما نلاحظه من زيادة إيجابية في العلاقات الاجتماعية خلال هذا الشهر الفضيل وكذلك بسبب تخفيف أعباء العمل الوظيفي.
كما يتضح الأثر السيكولوجي على الصائم في هذا الشهر من مظاهر الفرح التي تعم جميع أفراد المجتمع، ويتضح أيضا في الصبر والامتناع عن الطعام والشراب خلال نهار رمضان الذي يؤدي إلى زيادة القدرة على الاحتمال ويقوي من القدرة على مواجهة ومقاومة الضغوط الحياتية المختلفة.
* الصوم والأمراض النفسية
* يشير الدكتور محمد عبد الباسط بخاري إلى دراسة علمية حديثة أجراها الدكتور يوري نيكولايف رئيس وحدة الصيام في معهد الطب النفسي بموسكو، حيث وجد في نتائجها أن 70% من أصل 10000 مريض مصابين بالفصام (الشيزوفرينيا) عولجوا بالصيام، تحسنوا بشكل كبير واستعادوا قدرا كبيرا من نشاطهم الاجتماعي.
وفي دراسة أخرى أجريت في اليابان في جامعة توهوكو بإشراف الدكتور سوزوكي وياماماتو على 382 مريضا يعانون من الاضطراب النفسي الجسدي الذي يظهر على شكل آلام مختلفة ومتعددة مزمنة في الجسم، وجد أنهم تحسنوا وخفت حدة الأعراض والآلام وذلك بسبب انتظام عمل الجهاز العصبي اللاإراديAutonomic nervous system وكذلك منظومة الغدد Glands في الجسم.
كما وجد الباحثون أن الصيام ينظم إفراز هرمون الأدرينالين مما يخفف من حدة تأثيره على مرضى القلق والخوف والهلع.
* صوم المريض النفسي
* يؤكد الدكتور محمد بخاري أنه ليس هنالك مانع طبي من صيام المريض النفسي ولكن قد تظهر على البعض آثار جانبية من تناول العلاج النفسي مثل جفاف الحلق والعطش فعندها يمكن لهؤلاء المرضى تغيير موعد أخذ العلاج النفسي وذلك بمشورة الطبيب المعالج أو حتى تغيير العلاج إلى آخر بديل عنه لا تنتج عنه تلك الآثار الجانبية.
وقد يلجأ الأطباء النفسيون إلى استخدام العلاجات ذات المفعول الطويل Extended release medications التي تعطى مرة واحدة في اليوم وتغني المريض عن أخذ جرعات متكررة مما يقلل من نسبة حدوث الأعراض الجانبية.
ثم إن هنالك كثيرا من العلاجات النفسية غير الدوائية التي تعالج كثيرا من الأمراض النفسية يلجأ الأطباء إليها في حال رغبة المريض وبعد تقدير الطبيب النفسي، وهذه العلاجات مثل العلاج النفسي السلوكي Behavioral psychotherapy وكذلك العلاج المعرفي Cognitive psychotherapy وجلسات العلاج الجماعي Group therapy وغيرها.
ومن خلال خبرته الإكلينيكية يفيد د. محمد بخاري أنه وجد أن هناك كثيرا من المرضى قد خفت عنهم الأعراض النفسية نتيجة للأثر النفسي والروحاني لشهر رمضان واستطاعوا تمضية أيامه من دون علاج نفسي دوائي أو بجرعات قليلة.

السبت، 28 يونيو 2014

فوائد الصوم



أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين وخاتم النبيين حبيب اله العالمين أبي القاسم محمد وعلى آله الأخيار الأبرار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

اللهم اخرجنا من ظلمات الوهم وأكرمنا بنور الفهم وافتح علينا ابواب رحمتك وانشر علينا خزائن علومك .

الحديث حول الآثار المعنوية للصوم، ونبدأه -بحول الله تعإلى- ببيان ما هو المراد من الآثار المعنوية للصوم، وكذلك نبين ما هو الفرق بين الآثار المعنوية للصوم والآداب المعنوية للصوم.


ما هو المراد من الآثار المعنوية للصوم؟
الآثار المعنوية هي عبارة عن المعطيات التي تتصل بالروح والعقل والنفس، فكل ما يؤثر في تسامي الروح، وكلُّ ما يساهم في تصفية العقل، وفي تزكية النفس، فهو أثر معنويّ. وذلك في مقابل الآثار الماديَّة للصوم، كالآثار الصِّحية، والآثار السلوكية المرتبطة بنظام المجتمع، أو المرتبطة بالسلوك الشخصيّ، إذ من الواضح أنَّ أثر الصوم لا ينحصر في الآثار المعنوية، بل يتَّسع ليشمل آثاراً صحية، واخرى اجتماعية، وآثاراً تتصل بالسلوك الشخصي. هذا هو المراد من الأثر المعنوي، أو الآثار المعنوية للصوم، والتي قلنا أنها الآثار المرتبطة بالروح والعقل والنفس.
الفرق بين الآثار المعنوية، والآداب المعنوية للصوم:

أ-الآداب وسيلة للحصول على الآثار
المراد من الآداب المعنوية للصوم هو الأعمال التي جعلها الشارع وسائلَ لتحصيل الآثار المعنوية، فهي معبَرٌ وطريق لتحصيل الآثار، هي آداب يلتزمها المكلف مُتلقَّاةٌ من قِبَل الشَّارع، لا مبتكرة، وإنما هي مُتلقَّاةٌ من قِبَل الشارع المقدس، هذه الأعمال وهذه الآداب يُنتج التزامها الآثار المعنوية والتي هي مصب حديثنا إن شاء الله.

فالآثار المعنوية هي مثل الحكمة، كما ورد في الروايات الشريفة أن: (يا ربِّ وما ميراث الصوم؟ قال: الصوم يُورث الحكمة والحكمة تُورث المعرفة، والمعرفة تُورث اليقين، فإذا استيقن العبد لا يبالي كيف أصبح، بعسرٍ أم بيسر...)(1)، ومن الآثار المعنوية التقوى، كما تشير اليها الآية المباركة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(2)، ومن آثار الصوم المعنوية سكون القلب، كما ورد في الروايات الشريفة: (أن من ثمرات الصوم سكون القلب)، وكذلك من آثار الصوم المعنوية تثبيت الإخلاص، هذه هي أهم، أو أبرز الآثار المعنويَّة للصوم.

أما الآداب المعنوية للصوم فهي تختلف -كما قلنا-، إذ أنَّ الآداب وسائل لتحصيل الآثار. الآداب المعنوية، مثل: الاستغفار، تلاوة القرآن، الدعاء والمناجاة، التدبُّر، محاسبة النفس، مراقبتها، الصَّدقة على الفقراء والمساكين. هذه آدابٌ إذا التزمها المكلف حاز على الآثار المعنوية. عملية الإمساك والصوم لله -جلَّ وعلا- هي إحدى الآداب، أي أنها إحدى الأعمال التي جُعلت كوسيلة من قِبَل الشارع المقدس لتحصيل الآثار المعنوية. وبهذا البيان يتَّضح الفرق بين الآداب المعنوية والآثار المعنوية للصوم.

ب-الآداب اختياريَّة، أما الآثار فغير اختياريَّة
واتضح أيضا مما بيناه أنَّ الآداب المعنوية للصوم أعمال اختيارية يقوم بها المكلف بمحض اختياره وليس للشارع فيها إلَّا دور البيان والحث عليها، فالشارع وظيفته بيان الآداب والمكلف بالخيار بين أن يلتزم بهذه الآداب، أو لا يلتزم، أو يلتزم ببعضها ويترك البعض الآخر. وبمقدار ما يلتزم به من آداب،بمقدار ما يتحصَّل عليه من آثار، فالآداب المعنوية أفعال اختيارية يفعلها المكلَّف أو لا يفعلها، إذ أنَّ الاختيار -كما ذكر العلماء- هو أنَّ لك أن تفعل، ولك أن لا تفعل، فالاستغفار لك أن تفعله، ولك أن لا تفعله، وكذلك التدبُّر، وكذلك الصَّدقة، وكذلك تلاوة كتاب الله تعالى، والمناجاة، والدعاء، وقيام الليل، وما إلى ذلك من أفعال، فهي أفعالٌ اختيارية كشف عنها الشَّارع، وبيَّنها، وشرَّعها واعتبرها على عُهدَة المكلَّف، أما العهدة الإلزامية -لكن الإلزام الذي لا يتنافى مع الاختيار-، أو بنحو التحبيب والحثّ الذي لا يبلغ حدَّ الإلزام.

أما الآثار المعنوية فليست اختيارية، بل هي مكافئات إلهية، ومعطيات تنشأ عن الإلتزام بهذه الآثار، هي وعدٌ إلهيّ مفاده: إنْ التزم المكلَّف بهذه الآداب كافئتُه بهذه الآثار. فإذا صام المكلف الصوم الخاص الذي نريده منه عندئذٍ أكافأه بأن أجعل في قلبه الحكمة، بأن أرزقه سكون القلب وهدوء الفؤاد، بأن أهبه التقوى والإخلاص وأقرِّبه. هذه كلها أمورٌ ليس للمكلف أن يتحصَّلها، هي منحٌ ومكافئات من الله -جلَّ وعلا- للمكلَّف، إلَّا أنَّ هذه المكافئات ليست مكافئات مجَّانية، بل هي مكافئات يتحصَّل عليها بواسطة الالتزام بهذه الآداب، فالآداب هي طريق تحصيل هذه الآثار، فمن أراد أن يتحصَّل على أثر الصوم-وهو الحكمة، وسكون القلب، والتقوى- فليلتزم بالآداب المعنوية. هذا ما اردنا إثارته كمقدَّمة للبحث. وهناك نقطة نريد الإشارة إليها قبل بيان ماهي العلاقة بين هذه الآثار وبين الصوم، وهي:

أهمية التعرف على الآثار المعنوية للصوم:
التعرُّف على هذه الآثار هو الطريق لتحصيلها، من الصعب التوصُّل إلى هذه الآثار لمن يجهلها، لماذا؟ قلنا إنَّ هذه الآثار ليست مكافئات مجَّانية، وإنما هي مكافئات يُتحصَّل عليها بواسطة الإلتزام بالآداب، والالتزام بالآداب لا يتَّفق للمكلَّف التزامه إن لم يعرف ماهي المعطيات والمردودات التي تترتَّب عن هذه الآداب، وبتعبير أدقَّ: كلُّ إنسان عندما يريد الإقدام على الفعل لابدَّ أن يتصوَّره أولاً، فإذا تصوَّره، وأدرك فائدته في المرحلة الثانية، ثمَّ حصل عنده الإذعان والتصديق بهذه الفائدة، انعقد عندئذ العزم لديه على تحصيل هذه الفائدة، وانعقاد العزم على هذه الفائدة هو الذي يجعله يلتزم بهذه الآداب، وبتعبير أدق بالوسائل والطرق التي تبلغ به هذا الشيئ الذي أدرك فائدته، وأدرك مردوداته. إذن لابدَّ أن نعرف هذه الآثار، وليست معرفةً تصوُّريةً -كما قلنا- إنَّ تصوّر الفعل وحده غير كافٍ في عقد العزم على تحصيله، لاينعقد العزم على تحصيل الشيئ بمجرد تصوره، التصورات التي تنقدح في الأذهان كثيرةٌ جدًّا وأمَّا ما يُقدِم عليه المُكلَّف من أفعال فهي أقلُّ بكثيرٍ من التصوُّرات التي تنقدح في ذهنه، فإذن يختار الانسان من تصوّراته مجموعةً من التصوّرات، لماذا يختارها؟ لأنه يُدرك فائدتها، ويُذعن بترتُّب فوائد ومردوداتٍ على تطبيقها فتنقدح الرَّغبة في النَّفس لتحصيلها، وعندها ينعقد العزم. إذن لابدَّ من معرفة هذه الآثار حتى يحصل التصديق بفائدتها، وإذا حصل التصديق بفائدتها حصلت الرَّغبة في تحصيلها، وإذا حصلت الرَّغبة انعقد العزم على تحصيلها، وإذا انعقد العزم بحَثَ الإنسانُ عن الوسائل المُحصِّلة لهذه الآثار، من هنا تكمن أهمية استيعاب هذه الآثار -وليس تصورها، لابد من استيعابها- واستيعاب ما يترتَّب عليها من فوائد ومردودات، هذه مسألة أحببنا إثارتها، لأهميتها في دخول هذا البحث الذي سوف ندخل فيه الآن ان شاء الله.